بقلم : عائشة الكرشة
إن المتتبع لمسار المثقف الصحراوي وتحركاته داخل مجتمعه وبيئته يتجلى له وبوضوح ذلك الانفصام الثقافي والقيمي الذي يطبع شخصية هذا المثقف، وهو الأمر الذي تعكسه لنا كبوة التناقضات التي يتخبط فيها هذا الأخير، حيث تتجاذبه مجموعة لا متناهية من النوازع كانت وراء دخوله نفق التغييب واللافعالية.
فإذا كانت الثقافة هي نتاج المجتمع وليس المجتمع نتاجا لها حسب "كارل ماركس" فكَيف يمكن لمجتمع الصحراء الغارق في أزمات لا حصر لها أن ينتج لنا نخبا مثقفة تحمل مشعل التغيير والتأثير؟. ولما كان المثقف شخصا لا يختلف كثيرا عن غيره من أفراد مجتمعه سوى أنه حامي قيم الخير والعدل والحرية ، فشخصية المثقف الصحراوي والتي ولدت من رحم القبيلة وتغذت عبر التعصب لها، فهي تعاني من تشوهات في الوعي بالمسؤولية الذي هو في الأساس ناتج عن عيب و تشوه في المنشأ والمنبع.ونحن هنا لا نعيب القبيلة ككيان بشري منهول من إرث الهوية العربية . بقدر ما نعيب عليها أن تكون مجمعا للتعصبات والعنصرية.
فعندما يكون المثقف عرضة للتوجيه القبلي والتذمر العرقي والأطماع الفردية ، فلابد أن تضعف مناعته وتخور قواه ويتحول إلى مثقف ضائع تنازل عن كل أدواره ليلبس أقنعة لا تزيد الواقع إلا انكسارا.
وفي الوقت الذي تعرف فيه الصحراء صراعات كبرى كأرض نزاع ، وما يصاحب هذه الوضعية من حساسيات وانزلاقات. إضافة إلى ما تعرفه المنطقة من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية ، متسارعة ومتلاحقة. فقد كان من المفترض حضور المثقف الصحراوي كفاعل جوهري وأساسي يتحمل مسؤوليته تجاه ذاته ومجتمعه في تدبيره لهذه التحولات ، بيد أن هذا الأخير تقاعس عن كل هذه المهام ليبرز لنا تارة بثوب المثقف الانتهازي الذي يغلب أطماعه المادية والسلطوية فوق كل الاعتبارات القيمية والأخلاقية ، بينما نجده تارة أخرى سلبيا عاجزا عن التفاعل مع محيطه و ناقما عليه على سياساته التي لم يكلف نفسه عناء المشاركة فيها لمحاولة فهمها أو تفكيك مكامن الخلل بها.
وسياسيا ففي الوقت الذي كان ينتظر من المثقف الصحراوي التمرد على ما تحويه اللعبة السياسية من اختلالات وتعفن وميوعة، يلفت أنظارنا ذلك الغياب البارز للفعالية في الأداء السياسي لمثقفنا المصون. سواء اندمج في سياق اللعبة الإنتخابية أم لا. ففي الحالة الأولى تظهر لنا بعض النخب السياسية الصحراوية منشغلة ببناء ذاتها وتحقيق مآربها ومصالحها الشخصية على حساب تحقيق المصلحة العامة، دونما السعي وراء ملامسة قضايا الأمة واحتياجاتها. وفي الحالة الثانية والمتمثلة في الإنعزالية و الإبتعاد عن العمل السياسي نحو الانصهار والانشغال بالقوت اليومي مما قد يشوه ويعكس صورة سلبية لطبيعة العمل الانتخابي خاصة لدى عموم المواطنين الذين لا يتوفرون سوى على ثقافة سياسية سطحية ، بدليل أنهم لايزالون يصوتون على الشخص وليس على الحزب الذي ينتمي إليه .فهذا العزوف عن العمل والمشاركة قد ينعكس سلبا عن المشهد السياسي ويدخله دائرة النكوض والتردي . و كل ما يمكن قوله بهذا الصدد هو أن المثقف الصحراوي يتحمل قسطا وافرا من المسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع اليوم من بؤس سياسي وثقافي في الصحراء.
وختاما فالنخب الصحراوية خيبت الآمال المنتظرة منها لخلق ثورة حداثية تتمرد على ما يحويه الواقع المعيش من إكراهات فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسة. ليبقى التساؤل مطروحا إلى متى سيستمر سبات المثقف الصحراوي؟ و انعدام فعاليته في تطوير وتدبير الحياة العامة لمجتمعه؟